إختلاف في الرؤى والمواقف …كامب ديفيد: قمة إستثنائية تعكس ضعفاً استراتيجياً ووضعاً قلقاً تعيشه بلدان الخليج

تأتي هذه القمة وسط ظروف خطيرة تمر بها المنطقة وعلى الرغم من التغطية الاعلامية لهذا الاجتماع الذي لم يحضره وبشكل مفاجئ العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبدالعزيز بالاضافة الى عدد آخر من أمراء وملوك البلدان الخليجية, إلا أن الاجتماع فيما يبدو لم يرقَ الى ارضاء التوقعات التي عول عليها القادة الخليجيون والمراقبون للعلاقات الخليجية-الأميركية, وأشار البيان الختامي الذي نشره البيت الابيض إلى أن العلاقات بين الطرفين لم تصل الى وضع العلاقة الخاصة كالتي تربط واشنطن بتل أبيب أو تلك التي تربطها ببلدان أوروبا الغربية, فيما كان اجتماع كامب ديفيد منعقداً، كانت وسائل أعلامية سعودية تضع في شريطها الاخباري عدداً من التعليقات تناولت انتقادات شديدة ضد سياسات الرئيس الأميركي فيما يتعلق بإيران، وسوريا، وحزب الله اللبناني واليمن, ووصفته بأنه كان متساهلاً إن لم يكن متخاذلاً, وقد عد هذا مؤشراً على أن السعوديين على الأقل لم يكونوا راضين عن مسار المحادثات وأن رغبتهم في أن يكونوا قائداً لمنظومة أمنية وعسكرية خليجية تصعد بعلاقتهم التي توصف بأنها خاصة مع الولايات المتحدة لتكون أكثر خصوصية بمستوى العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل لم تتحقق, وقد أكد ذلك بشكل نسبي التكهنات التي طرحتها وسائل الاعلام الأميركية حول عدم ارتياح العاهل السعودي لبرنامج لقاء كامب ديفيد ولكن يبدو أن للعملة وجهاً آخر تظهر قراءة متأنية للبيان ومن خلال صياغته اللغوية أنه لم يأت بشيء جديد ينقل العلاقة الأميركية-الخليجية الى مستوى جديد، ونوعي، من التعاون غير الذي كان سائداً قبل سنوات خاصة أن هذه البلدان ترتبط باتفاقيات تعاون أمني وعسكري ثنائي مع الولايات المتحدة, إذ أن المحاولة السعودية في نقل مستوى هذا التعاون الى مستوى تعاون بين الولايات المتحدة وكتلة مجلس التعاون تحت مظلتها لم تكلل بالنجاح هذه المرة على الأقل, وطغت عبارات ” ناقش و أكد وبحث واستعرض وشدد” على البيان المشترك وهي تعني من بين أمور أخرى أن وجهات النظر في تلك القضايا لم تكن متطابقة لتكون قراراً أو موقفاً مشتركاً, كما وردت كلمة “قرر” مرة واحدة وجاءت في سياق مكافحة الإرهاب والتهديدات المشتركة، ووضعت عليها شروط مثل “حماية البنية التحتية الحساسة” و”تعزيز الامن الحدودي والجوي” و”مكافحة غسيل الاموال وتمويل الارهاب” و”اعتراض سبيل المقاتلين الاجانب” و”التصدي للتطرف العنيف في كافة اشكاله”، وهذه كلها تمثل –فيما يبدو- شروطاً أميركية واضحة تجاه سياسات بعض بلدان الخليج الداعمة والمساندة لحركات إرهابية ناشطة في المنطقة وتوصف بأنها سنية جهادية كما وردت كلمة اتفق الطرفان مرتين، مرة تضمنت الالتزام بحل القضايا بشكل سلمي واحترام سيادة الدول وغيرها من أمور، والثانية انعقاد اجتماع على نفس المستوى مرة أخرى عام 2016, ويستبعد المراقبون انعقاد هذا الاجتماع نظراً لانشغال الواقع السياسي الأميركي في ذلك الوقت بالانتخابات الرئاسية الأميركية ويبدو أن العلاقة الأميركية مع بلدان مجلس التعاون الخليجي ستبقى تتحرك في إطار العلاقات الثنائية بدلاً من إطار العلاقة الأميركية-الخليجية تحت قيادة السعودية أما كلمة “سيعملان” فجاءت مرة واحدة في البيان ضمن ذكر مواجهة “الانشطة الايرانية المزعزعة للاستقرار في المنطقة” بحسب البيان ,تضمن البيان إشارات موجهة للقادة الخليجيين بأن الولايات المتحدة لن تكون داعمة لأية منظومة سياسية أو أمنية تتبنى الحلول العسكرية للصراعات الأهلية المسلحة في المنطقة وأن الصراعات ينبغي أن يتم حلها عبر الاساليب السلمية واحترام سيادة جميع الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية بالاضافة إلى ايجاد صيغ للحكم الشامل في المجتمعات التي مزقتها الصراعات، وحماية جميع الأقليات وحقوق الإنسان ويشير مراقبون إلى أن المقصود بهذه العبارات ليست إيران بل هي موجهة الى البلدان الخليجية ومنها السعودية سواء في وضع انظمتها السياسية أو في وضع دعمها للجماعات السياسية أو المسلحة التي تنشط في سوريا والعراق واليمن وليبيا.
إيران
اما الاتفاق النووي المتوقع لإيران فقد أشار البيان الى أن “توقيع اتفاق شامل وقابل للتحقق منه، يعالج بشكل كامل المخاوف الاقليمية والدولية حول برنامج ايران النووي، يصب في صالح المصالح الامنية للدول الاعضاء بمجلس التعاون الخليجي وايضا الولايات المتحدة والمجتمع الدولي” ويبدو أن السعوديين قبلوا على مضض الموقف الأميركي في هذا الصدد, فيما أكد البيان معارضة الطرفين للانشطة الايرانية المزعزعة للاستقرار في المنطقة وأنهما سيعملان على مواجهتها, ولا يمكن تحديد من خلال صياغة العبارات طبيعة تلك الأنشطة المزعزعة للاستقرار ولا مديات العمل على مواجهتها، وهل ستكون بشكل منسق ومشترك أم لا.
سوريا
لم تحصل العربية السعودية وقطر – فيما يبدو- على دعم لسياستها المتمثلة في تشجيع تدخل أميركي مباشر لاسقاط نظام الأسد حيث أوضح البيان التزام القادة بمواصلة العمل من أجل التوصل إلى حل سياسي مستدام في سوريا ينهي الحرب ويؤسس حكومة شاملة تحمي كافة الأقليات العرقية والدينية وتحفظ مؤسسات الدولة مع التأكيد على فقدان بشار الأسد الشرعية بأكملها وأنه ليس له دور في مستقبل سوريا وتوفير الدعم بقوة المزيد من الجهود الرامية لتدمير “داعش” في سوريا نهائيا والتحذير من تأثير الجماعات المتطرفة الأخرى، مثل جماعة “النصرة”، التي تمثل خطرا على الشعب السوري والمنطقة والمجتمع الدولي حيث يبدو أن وضع “جبهة النصرة” كان المقصود منه توجيه رسالة أميركية إلى البلدان الخليجية.
اليمن
فيما يتعلق باليمن، فقد أعطى البيان أولوية لمكافحة تنظيم “القاعدة في شبه جزيرة العرب” بشكل جماعي. ومن ثم جاء ذكر الانتقال السريع من العمليات العسكرية الى عملية سياسية، ويبدو أن العربية السعودية كسبت مباركة أميركية لرعاية جهود المصالحة اليمنية من خلال “مؤتمر الرياض.” جاء ذكر “عاصفة الحزم” في البيان، على الرغم من أنها قد انتهت رسمياً على المستوى السعودي. حيث اشار البيان إلى أن بلدان مجلس التعاون ستتشاور مع الولايات المتحدة حين يتم التخطيط لاتخاذ اجراء عسكري يتجاوز حدود دول مجلس التعاون، وبصفة خاصة عندما يتم طلب المساعدة من الولايات المتحدة للقيام بمثل هذا الاجراء. وكما يفهم من النص أن الولايات المتحدة غير مستعدة لتقديم المساعدة في هذا المجال بشكل غير مشروط.
ما وراء البيان
أبرز البيان وجود ضعف استراتيجي لدى البلدان الخليجية مقابل إيران, فطلب المساعدة من الولايات المتحدة في مجالات الاسلحة السريعة ومكافحة الارهاب والامن البحري والامن الالكتروني والدفاع ضد الصواريخ الباليستية يعكس ضعفاً استراتيجياً في قدرات وإمكانيات تلك البلدان على هذه المستويات مع أن تلك البلدان تمتلك اسلحة ومعدات عسكرية حديثة, على الرغم من أن بلدان مجلس التعاون تمتلك قوة سكانية لا بأس بها إذ يصل التعداد الكلي للسكان فيها الى 25 مليون نسمة من المواطنين، أغلبهم من الشباب، إلا أن تلك البلدان لا تمتلك قوات عسكرية كافية للقيام بمهام عمليات برية تجعلها في حاجة شبه دائمة الى الاسناد الخارجي وتحديداً من الولايات المتحدة لا يلاحظ على البيان وجود تطابق في الرؤى والمواقف بين الطرفين تجاه الكثير من القضايا كما بين أن فكرة تعاون عسكري وأمني على مستوى أعلى بين الولايات المتحدة ومظلة مجلس التعاون تحت قيادة سعودية لن ترى النور قريباً, تنظر الولايات المتحدة بقلق إلى النهج السعودي الجديد وبلدان الخليج الأخرى، وذلك يبدو من وجود عبارات تتعلق بسلمية الحلول، وحقوق الإنسان، ومواثيق الأمم المتحدة، وحماية الأقليات والجوانب الإنسانية في التعامل العسكري, وبشكل مختصر فإن هذه القمة هي استثنائية بلا شك، واستثنائيتها قد لا تكون في النتائج التي ستتمخض عنها، ولكنها تعكس بكل تأكيد وضعاً قلقاً تعيشه بعض بلدان الخليج في منطقة تشتعل فيها الحروب الطائفية وبشكل مستمر، أشعلتها سياسات الاستغلال السياسي لأطروحات دينية متطرفة تبنت التعصب على مدى عقود, ومحدودية القرار الأميركي في التأثير من حيث القدرة أو الإرادة ويبدو أن هذه القمة لم تنجح في صياغة إطار معاهدة أو اتفاقية بين بلدان مجلس التعاون مجتمعة والولايات المتحدة تنقل مستوى التعاون بين الطرفين الى مستوى أعلى.




