نصوص
رسول عبد الأمير التميمي
لست أبله فلا تتوسلي, أحبها حتى غرق في هواها, لم يتصور يومًا أن مشاعره تجاهها ستتحول للكراهية, حتى إذا تذكرها استعاذ بالله من الشيطان الرجيم, كان يعيش حياة مملوءة بالخوف والقلق, يخشى المستقبل ويتحايل على الحاضر, لكنها لا ترحمه وتطبق على أنفاسه, كانت دائمًا ما تعيّره بفقره وببيئته المتوسطة الحال, هذا دأبها في الجد أو الهزل.
يعود من عمله بعد يوم شاق لا يجد غير وجه بائس تملأه التعاسة والشقاء، عبر عما يدور بداخله مرات وحكى لها همومه وأفكاره, صارحها بتساؤلاته, تسخر منه ثم تعود بعد أن أغرق طوفان الحزن والغضب قلبه, تعلن أنها لا تستغني عنه, لكن سرعان ما تعود إلى طبيعتها ويسيطر عليها الشك وتحيط بـها الظنون, تعجز أن تلتمس له العذر بتأخره أو غيابه فتساورها المخاوف وتفقد ثقتها فيه، فتعجز عن صدها فتعود وتصب عليه المزيد من السخط.
كان على يقين أن التغيير لن يحدث في يوم وليلة، ولكنه سيحدث بالتكرار وبالتدريج، فعمل على تغيير كل مفهوم من المفاهيم لديها حتى تقتنع أن ما لديها من أفكار ما هي إلا أفكار خاطئة لكن بدون فائدة, تعاودها نوبات الحزن والهم , يمتص غضبها ونوبات جنونها, ينظر في عينيها مبتسمًا إذا لمح بوادر النكد, لكنها لا تتقبل ولا تكف عن إثارة الضوضاء والجدال معه, وتنقلب عليه حتى وإن كانت في جلسة هادئة فسرعان ما ينقلب الحديث الودي إلى ألم وبكاء وتشعر بالغليان الداخلي, وعند كل موقف تثور ثائرتها فتجعل منه متنفساً لما يعتمل في صدرها ويؤلم أحاسيسها, تعلن بغضبها له دونما سبب وتصرّح به إلى الآخرين.
انتبه إلى أن الأيام ترحل ولا تعود والشيخوخة تدق بابه, حاول التخلص من حياته معها لكنه ضعف أمام ما تبقى في قلبه من حب لها, تمرد على نفسه ولعب كل الأدوار، فمرة يتعامل معها كصديق يحاورها ويساندها، وأحيانًا يكون لها أبًا ويحيطها بمشاعر الأبوة الحانية، تتمرد عليه أكثر وتعود إلى حالتها الأولى, أصبح يكره كل النساء ولا يرغب بالنظر إلى أنثى, يهرب بما يملكه من وقت ويقضيه بين أهله الذين هجرهم بسببها.
تركت له البيت وهو غائب دون إذنه وذهبت إلى أهلها بحجة أنها غاضبة منه لأسباب واهية, شعر بالوحدة, عاش ليالي طوالاً متألمًا تحت وطأة العذاب, اشتعلت نيران الحب والفراق في قلبه, امتلكته الحيرة وضربت رأسه آلاف الأفكار والتساؤلات, تلقى نصائح الآخرين بتركها وعدم السؤال عليها، تحامل على قلبه وقدم لعقله المبرر على تركها البيت, فلقد تكرر ذلك من قبل كثيرًا وأهلها يشجعونها على ذلك وهي عندها من الكبر ما يمنعها من الاعتراف بالخطأ.
خاطب نفسه غاضبًا وقال: لقد حان الوقت لأن تضع حدًا للآلام وحدًا لهذا القلب فو الله للقلب قدرة كبيرة كما أحب يمكنه أن يتخلص من هذا الحب, أعلن الابتعاد قدر الإمكان عن الدخول في الذكريات القديمة والوقوف على الأطلال والتحسر عليه فشغل وقته بتجديد حياته وثقافته ولياقته وأصبح العمل هو الشاغل الوحيد له, فزاد من نجاحه وتحسن دخله وسد دينه فعادت إليه ابتسامته.
تمنت أن يعود إليها وترجع إلى بيتها وأصبحت تلوم نفسها لو كانت صبرت قليلا, وبدأت تشعر بالغربة، وبدأت تصرفات أهلها معها تختلف عما قبل زواجها، كل واحد يحاول أن يشعرها بالوصاية عليها فتندم أشد الندم على التسرع، تتبعت أخباره وعلمت بأمره فعادت إليه تتدلل.
قبل أن تقترب منه توقفت, وامتلكتها الدهشة بأناقته ورشاقته ونظارة وجهه, وارتسمت على وجهها علامات الاستفهام بما يحيط به من رفاق يتفننون في خدمته وارضائه, انتظرت حتى أصبح وحده, فاقتربت منه, نفرها, ارتمت أسفل قدميه باكية تتوسل إليه.
ابتسم وقال: لا تتوسلي, إذا توسلتِ فلن تجني شيئًا, لقد عشت معك عاقلاً أبكم وقوياً أعمى, لكن في النهاية اكتشفتُ حقيقتك، أنت مجرد ذبابة تلاحقني وتلتصق بي, نهضت وذكّرته بحبه وكلماته لها, فصرخ في وجهها وقال: أنتِ امرأة قد قاربت صلاحيتها معي على الانتهاء, لا لا لا, بل أنتِ امرأة منتهية الصلاحية.
تحامل على نفسه وهو يتفوه لها بتلك الكلمات فما زال حبها الذي غرسه في قلبه يستسقي من روحه, تمايل عليها برفق ليتمتع بما تبقى من شذاها, فظنت أن نوبات غضبه قد زالت, فابتسمت بعين ماكرة, وتهيأت لاستقبال قبلة الاعتذار, فعاد إلى موضعه وبثبات شيع لها وفاة الأبله الذي كانت تعرفه.



