اخر الأخبار

الحكومة الإسلامية .. حكومة القانون الإلهي

4211

الحكومة الإسلامية لا تشبه الأشكال الحكومية المعروفة. فليست هي حكومة مطلقة يستبد فيها رئيس الدولة برأيه، عابثاً بأموال الناس ورقابهم. فالرسول صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين علي عليه السلام وسائر الأئمة ما كانوا يملكون العبث بأموال الناس ولا برقابهم، فحكومة الإسلام ليست مطلقة وإنما هي دستورية، ولكن لا بالمعنى الدستوري المتعارف الذي يتمثل في النظام البرلماني أو المجالس الشعبية، وإنما هي دستورية بمعنى أن القائمين بالأمر يتقيدون بمجموعة الشروط والقواعد المبينة في القرآن والسنّة، والتي تتمثل في وجوب مراعاة النظام وتطبيق أحكام الإسلام وقوانينه، ومن هنا كانت الحكومة الإسلامية هي حكومة القانون الإلهي. ويكمن الفرق بين الحكومة الإسلامية والحكومات الدستورية الملكية منها والجمهورية في أن ممثلي الشعب أو ممثلي الملك هم الذين يقننون ويشرعون، في حين
تنحصر سلطة التشريع باللَّه عزَّ و جلّ‏َ، وليس لأحد أياً كان أن يشرع، وليس لأحد أن يحكم بما لم ينزل اللَّه به من سلطان. لهذا السبب فقد استبدل الإسلام بالمجلس التشريعي مجلساً آخر للتخطيط، يعمل على تنظيم سير الوزارات في أعمالها وتقديم خدماتها في جميع المجالات,وكل ما ورد في الكتاب والسنّة مقبول، مطاع في نظر المسلمين، وهذا الانصياع يسهل على الدولة مسؤولياتها، في حين أن الحكومات الدستورية الملكية أو الجمهورية إذا شرعت الأكثرية فيها شيئاً، فإن الحكومة بعد ذلك تعمل على أن تحمل الناس على الطاعة والامتثال بالقوة إذا لزم الأمر,فحكومة الإسلام حكومة القانون، والحاكم هو اللَّه وحده، وهو المشرع وحده لا سواه، وحكم اللَّه نافذ في جميع الناس، وفي الدولة نفسها,فالحكومة في الإسلام تعني اتباع القانون، وتحكيمه. والسلطات الموجودة عند النبي صلى الله عليه وآله وولاة الأمر الشرعيين من بعده إنما هي مستمدة من اللَّه. وقد أمر اللَّه باتباع النبي وأولي الأمر من بعده: “وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم”. فلا مجال للآراء والأهواء في حكومة الإسلام وإنما النبي، والأئمة، والناس يتبعون إرادة اللَّه وشريعته,فحياة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله كانت في منتهى البساطة كما تعلمون، بالرغم من أنه كان يرأس الدولة ويسيرها ويحكمها بنفسه. واستمرت هذه السيرة من بعده إلى حد ما، إلى ما قبل استيلاء الأمويين على السلطة,وكانت حكومة علي بن أبي طالب‏ عليه السلام حكومة إصلاح ، وكان يعيش ببساطة تامة، وهو يدير دولة مترامية الأطراف، تكون فيها إيران ومصر والحجاز واليمن مجرد ولايات وأقاليم تابعة لحكمه..ولو كانت تلك السيرة مستمرة إلى الآن لعرف الناس طعم السعادة، ولما نهبت خزائن البلاد لتصرف في الفحشاء والمنكر، ومصارف ونفقات البلاط. وأنتم تعلمون أن أكثر مفاسد مجتمعنا يعود سببها إلى فساد الأسرة الحاكمة والعائلة المالكة,ما هي شرعية هؤلاء الحكام الذين يعمرون بيوت اللهو والفساد والفحشاء والمنكر ويخربون بيوتاً أذن اللَّه أن ترفع ويذكر فيها اسمه؟ ولولا ما يبذره البلاط، وما يختلسه لما دخل ميزانية البلاد أي عجز يحمل الدولة على الاستدانة من أمريكا وانكلترا بما يصاحب ذلك من ذل ومهانة. فهل قل نفطنا؟ أم هل نضبت معادننا المذخورة تحت هذه الأرض الطيبة؟ نحن نملك كل شي‏ء، ولا نفتقر إلى مساعدة من أمريكا وغيرها لولا نفقات البلاط وإسرافه في أموال الشعب هذا من جهة، ومن جهة أخرى هناك دوائر في الدولة لا حاجة إليها، وهي تستهلك أموالاً وطاقات وورقاً وأدوات، وذلك إسراف محرم في شريعتنا، لأن ذلك يزيد في مشاكل الناس، ويأخذ عليهم وقتاً وجهداً، ويستنزف منهم أموالاً هم أحوج ما يكونون إليها,ففي الإسلام أيام حكمه كان يجري القضاء، وتقام الحدود، والتعزيرات، ويفصل في النزاعات، ببساطة تامة,وكان القاضي يكتفي ليقوم بكل ذلك ببضعة أشخاص، يضاف إلى ذلك قلم وقليل من الحبر والورق، ومن وراء ذلك كان يوجه الناس إلى العمل من أجل حياة شريفة فاضلة,فالشروط التي ينبغي توفرها في الحاكم نابعة من طبيعة الحكومة الإسلامية. فإنه بصرف النظر عن الشروط العامة كالعقل والبلوغ وحسن التدبير، هناك شرطان مهمان، هما:العلم بالقانون الإسلامي,والعدالة,وبما أن الحكومة الإسلامية هي حكومة القانون، كان لزاماً على حاكم المسلمين أن يكون عالماً بالقانون,وكل من يشغل منصباً أو يقوم بوظيفة معينة فإنه يجب عليه أن يعلم في حدود اختصاصه وبمقدار حاجته، والحاكم أعلم من كل من عداه. وكأن أئمتنا قد أثبتوا جدارتهم بأمانة الناس بما سبقوا إليه من العلم,فالعلم بالقانون والعدالة من أهم أركان الإمامة. وإذا كان الشخص يعلم الكثير عن الطبيعة وأسرارها ويحسن كثيراً من الفنون، ولكنه يجهل القانون، فليس علمه ذاك مؤهلاً إياه للخلافة ومقدماً إياه على غيره ممن يعلم القانون ويعمل بالعدل. وقد أصبح من المسلمات لدى المسلمين من أول يوم وحتى يومنا هذا أن الحاكم أو الخليفة ينبغي أن يتحلى بالعلم بالقانون، وعنده ملكة العدالة مع سلامة الاعتقاد وحسن الأخلاق. وهذا ما يقتضيه العقل السليم، خاصة ونحن نعرف أن الحكومة الإسلامية تجسيد عملي للقانون، وليست ركوب هوى، فالجاهل بالقوانين لا أهلية فيه للحكم، لأنه إن كان مقلداً في أحكامه، فلا هيبة لحكومته وإن لم يقلد فإنه يعجز عن تنفيذ الأحكام مع فرض جهله التام بها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى