اراء

هل فعلا تحررت الموصل ؟!!

محمد حسن الساعدي
على الرغم من شراسة المعركة ، والانتصارات النوعية المتحققة في الجانب الأيمن ، والضربات السريعة والخاطفة التي تلقتها عصابات داعش ، على أيدي القوات الأمنية وبمساندة كبيرة ومهمة من الحشد الشعبي ، إلا ان هناك واقعاً مهماً في الموصل يجب ان نقف عنده ، ونقرأه ونحاول تحليله بشيء من الموضوعية ، ألا وهي ما بعد تحرير الارض دون الفكر ، وهذا ما بات واضحاً بعد مرور ثلاث سنوات من سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم داعش الارهابي ، وما اعتراها من مخططات قام بها داعش من اجل تغيير الديمغرافية والأيديولوجية على حد سواء ، فالموصل ذات 3,500,000 نسمة لا يمكن ان تكون نفس الموصل قبل ٢٠١٤ ، وذلك لما حملته الثلاث سنوات الاخيرة من سيطرة داعش من تعقيدات في البنية الاجتماعية للمجتمع الموصلي ، وما لحق بالمجتمع من تمزيق بين الأواصر والروابط ، الامر الذي جعل المهاجرين والمهجرين لا يفكرون بالعودة الى المدينة التي طردتهم من أحضانها ، وقتلت اولادهم وشردتهم . مدينة الموصل وما يعيشها اَهلها من فوضى وألم وبؤس وحرمان ، لا يمكن لأي مدينة منكوبة تعرضت للحرب ان تتحمل مثلما تحملت ، فمنذ دخول جرذان داعش الى المدينة ، وهم سعوا بكل الوسائل الى تجذير وسائل الاٍرهاب والفكر التكفيري بين الأطفال ، وذلك من اجل بناء جيل متمرس فنون القتل والذبح ، وذلك من اجل إدامة الفرقة والحقد الطائفي وإثارة النزعات القومية بين ابناء المدينة الواحدة ، لهذا فان مشكلة الموصل بعد داعش لا تكمن بتحرير المدينة فحسب ، بل الخوف مما هو قادم ، وعلى الرغم من اتفاق الجميع على ضرورة استعادة المدينة من بطش داعش ، إلا ان المخاوف كبيرة وكثيرة ، خصوصاً وان العديد من قادة داعش يقرون بهزيمتهم مؤقتاً ، وأنهم لا يسعون الى الدخول وإدامة معارك مباشرة مع القوات الأمنية والحشد الشعبي ، بل شاهدنا كيف ينسحب أفراد داعش في اغلب المعارك وبسهولة ، وانه ربما يسعى لإعادة تنظيم صفوفه وترتيب اوراقه خلال المدة المقبلة ، كما ان تنظيم داعش بعد الهزائم المتكررة في العراق سيراهن على فشل السياسيين في إدارة الدولة ، وعدم الوصول الى الاستقرار السياسي سواءً في الموصل لو عموم البلاد ، لهذا يعمل جاهداً على إدامة عدم الاستقرار في المناطق السنية ، ويسعى الى تأجيج الاوضاع الداخلية في تلك المدن ، وإثارة الصراعات الطائفية ، وزرع بذور التمرد من جديد ، وتنظيم اثارة التمرد الذي يزيد حدة التوتر الطائفي ويعمق الخلاف بين السياسيين أنفسهم ، مما يؤهله للظهور مرة أخرى بثوب جديد ، لذلك سيسعى خلال المدة المقبلة الى اثارة وتغذية الخلافات المذهبية وتعميق الصراعات واستهداف جميع المكونات لإيقاع الاقتتال الداخلي فيما بينهم . الشيء اللافت بمستقبل داعش في الموصل ان العديد من افراده ليسوا منتمين عقائدياً ، وهم سكان محليون يسكنون مدينة الموصل ، يسعون الى الجاه أو السلطة أو كسب المال ، الامر الذي يجعل ولاءهم لداعش هشاً يتغير بتغير الاوضاع على الارض والواقع ، لهذا لابد من طرح تساؤل عن مدى قدرة السياسيين من التغلب على مشاكلهم وخلافاتهم ، والسعي الجاد من اجل تعزيز المواطنة الصالحة بسن ابناء البلد الواحد ، لان الاستقرار السياسي سيضمن الخلاص من سطوة داعش للأبد ، اما في عدم الاستقرار في الموصل أو عموم البلاد ، كما يحصل الان في تخفي عصابات داعش بين المدنيين ، او هروبهم الى الجبال ، فان الاوضاع تسير نحو الاسوأ اكثر بعد انتهاء المعارك ، ويجعل المنافسة مفتوحة بين جميع الأطراف في الموصل ، أمام ضعف واضح للقرار السياسي في بغداد ، وهذا ما ينتظره داعش ويسعى اليه .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى