ثقافية

صفحات من جمهورية الفقراء «ابو كرك».. وجوه من ذاكرة الرفض

هخهحهخ

عبد الكريم ابراهيم

مدينة الصدر ضمّت في ثناياها جملة من الشخوص التي اصبحت لازمة تذكر اهلها الطيبين بعمق المعاناة، والرفض للاوضاع ، وريح الثورة التي تفوح من بين شوارعها المتعبة، والوجوه السمراء. هذه الشخوص سلكت طرقا عديدة في عملية الرفض والمعارضة، ولعل الاسلوب المبطن الذي يطلق عليه اهل الادب بالرمزية هو من يسود اغلب حركات هؤلاء.
(ابو كرك) ـ والكرك هو المجرفة ـ ذلك الرجل الخمسيني، ذو اللحية الجعداء التي كسا الشيب بعض مفاصلها، المؤتزربـ(نطاق عسكري)، حاملا مجرفته، ليدور بها في احياء وشوارع المدينة، واحد من تلك الشخوص الماضية، وما زال البعض يتذكرها. كان هذا الرجل يسير دائما وسط الشارع حيث الرصيف ولا احد يعرف سر علاقته بهذا الشيء الاصم، ربما يفسر انه ذو ميول وسطية، فلا هو من اقصى اليمين ولا اليسار، احيانا يصاب بالاعياء من حمل (كركه) فيضطر الى وضعه على كتفه كأنه البندقية، ليقف في محطات استراحة يؤدي فيها التحية العسكرية لصاحب هذه وتلك السيارة، وتارة يأخذه الحماس فيقوم بترديد اهزوجة ما، ليثبت في مكانه (يتفتل) كأنه (مهوسجي) من طراز فذ، وبعض الاحيان تنتابه موجة الجنون فيبصق على اصحاب السيارات الفاخرة الذين يقابلون هذا التصرف منه برفع اصوات منبهات سياراتهم والتصفيق وهز الرأس، وقد يعتدي الاخرون على شعوره وهم يطلقون عبارة (سويج) ـ أي مجنون ـ.
المهم ان (ابو كرك) وجد في تكرار هذا العمل اليومي شغله الشاغل، حيث يخرج منذ الصباح حتى حلول المساء، وهو لا يستقر في مكان واحد، بل تراه في (الداخل) يطلق العنان لقدميه الى حيث (الجوادر) ثم (الكيارة)، وقد يتجرأ ويتخطى حدود الممنوع الجغرافي المفروضة على اهالي مدينة الصدر، فيتجاوز قناة الجيش حيث الموديلات الحديثة والوجوه الرطبة كالتفاح.
بعض اهالي مدينة الصدر يعدون (ابو كرك) مناضلا عتيقا ومتمرسا، يريد ان يلفت بطريقته هذه وجنونه وصديقه العزيز (الكرك) انظار النظام البائد الى رفض المدينة لسياسة التمييز والاعتقالات التي كانت تطول من يتفوّه بكلمة واحدة او لمجرد الاشتباه! طريقة ذكية لا تجلب الانتباه ولا تكلف صاحبها دخول مديرية الامن العامة و(كيبلات) التعذيب التي لاتفرق بين المتهم والبريء. الآخرون يعدونه جاسوسا من اجهزة النظام ينقل الاخبار ويكتب التقارير السرية، وبين المفهومين ضاعت حقيقة الرجل.
بعض الذين عاصروا قفشات (ابو كرك) برغم كل ما يقال عنه، يؤكدون انه بطريقته هذه كان يطرد الملل والرتابة عن اهالي المدينة، وايضا كان متنفسا للتعبير عما يدور في اذهانهم من رفض للواقع المرير الذي كانوا يعيشونه، لذا حظي الرجل بتشجيعهم اينما ذهب وحلّ، واحيانا يقدمون له بعض الطعام والمال ولكن الغريب في الامر ان (ابو كرك) كان من النوع الأبيّ الذي يفرض الهبات والصدقات حتى ان كان في اسوأ الحالات.
في زمن الحصار وطحين الحصة الذي يصعب تحديد ماهية مكوناته من نشارة الخشب الى التراب ومخلفات القوارض، يقال والعهدة على الراوي: ان احد الذين لا يخافون الله استغل الرجل وقام بأخذ كليته، ليتركه في الشارع يصارع المرض منزوع الكلى، ليختفي بعدها عن الانظار نهائيا. هذه الحادثة قد تكون عجّلت في نهاية عمره الذي قضاه هو يبحث عن نفسه وسط الارصفة، يُضحك هذا ويُغضب ذاك. المهم انه في السلب والايجاب كان يجلب الفرحة والتسلية في زمن كانت كل حركة تقاس بمقياس الولاء للنظام واي خروج عن الخطوط الحمر وان كانت مسّاً من الجنون يصبح مصيرها مديرية الامن العامة واذا قدر للانسان الخروج من ذلك المكان، فانه لا بد ان يخرج بعاهة مستديمة تذكره بعدم تكرار اي تصرف ضد النظام المباد حتى لو كان على سبيل المزاح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى