ثقافية

نبذة تاريخية عن مملكة مالي الإسلامية

د. عيسى عبد الله

أسس هذه المملكة شعب زنجي أصيل هو شعب الماندي أو الماندينغ (Manding)، وكلمة مالي تحريف لكلمة ماندنجو، ومعناها الذين يتحدثون لغة الماندي. وقد اعتنق هذا الشعب الإسلام في النصف الأول من القرن الخامس الهجري (11 م)، حيث اعتنق أول ملك منهم الإسلام حينئذ ويُعرف بالمسلماني.
وبصفةٍ عامة، يُلاحظ أنَّ تجربة الإسلام لدى الماندينغ لا تختلفُ كثيراً عن باقي مناطق أفريقيا الغربية. ويرجع نجاح وانتشار الإسلام بشكل واسع بين قبائل الماندينغ خلال القرنين 12 ـ 13م إلى الدور الفعال والمؤثر للونجرا أو (ونقارة)، الذي يُعدّ من أهم فروع الماندينغ، وبحكم اختصاصه في التجارة، فقد كان على صلة وثيقة بتجار بلاد المغرب. وبعد اعتناقهم للإسلام، أخذوا ينشرونه بدورهم بين بني جلدتهم. ومن ثمة نفهم الانتشار الواسع للإسلام بين أهل مالي.
وتمكنت هذه الدولة الصغيرة التي بدأت بمملكة كانجايا أنْ تتملك قوَّة عسكرية في منطقة نياني (Niani)، وهي مدينة تقع غرب نهر النيجر، وليست بعيدة عن حدود غينيا الحديثة، وارتبط ظهور مملكة مالي بشخصية سندياتا أو ماري ماري جاطة (ت 1255م)، الذي يعدّ المؤسس الحقيقي لهذه المملكة، وقد حكم عرش مالي ـ حسب رواية ابن خلدون ـ مدة خمسة وعشرين عاماً.
واستطاع سندياتا أنْ يجعل من مملكته الصغيرة إمبراطورية عظيمة بعد أنْ هزم ملك الصوصو وضم أرضه إلى بلاده فضلا عن إقليم غانة، ثم أسس عاصمة جديدة في نياني (وأحياناً تُسمَّى مالي).
احتَلَّتْ مالي مكانة تجارية هامة في بلاد السودان، وظلَّت تحتلُّ هذه المكانة حتى جاء ابنه وُلي الذي حمل لقب منسى، ومعناها السلطان أو السيد بلغة الماندي، وقد سار على نفس النهج الذي كان عليه والده، وحكم من عام 1260م حتى عام 1277م، وقام أيضاً برحلة الحج إلى الأماكن المقدسة مثل السلاطين الآخرين.
وقد بلغت مملكة مالي أوجها في القرن 14م فأصبحت تمتد شمالا داخل الصحراء حيث توجد مدينة ولاتة المعروفة أيضا تحت اسم بيرو، وجنوبا حتى أطراف السافانا عند مصادر الذهب، وغرباً حتى المحيط الأطلسي، وأما الحدود الشرقية فقد اقتربت من مناجم النحاس بتكدا.
وبعدّ هذه المعطيات الجغرافية نجد أنفسنا أمام مملكة شاسعة الأطراف، حتى إنَّ بعض المؤرخين العرب قدر طولها بمسيرة أربعة أشهر من الغرب إلى الشرق، وعرضا بمسيرة ثلاثة أشهر من الجنوب إلى الشمال.
كما استولت مالي على إمارة سنغاي وعاصمتها كاغ أو كاو (Gao) عام 1325م، في عهد منسى موسى، ويقول السعدي بصدد ذلك “ودخل أهل سنغاي في طاعته بعد جوازه إلى الحج بطريقها ورجع فابتنى مسجدا ومحرابا خارج مدينة كاغ”، زيادة على ضم سنغاي فإنّه”“طرق تنبكت فملكها وهو أول ملك ملكها وجعل خليفته فيها وابتنى فيها دار السلطنة”.
ولم ترث مملكة مالي مُلك غانة وحده، بل ملكت معه الثروة والغنى المتمثلة في التجارة السودانية خاصة الذهب والملح، وسعت مالي على غرار غانة، إلى تنظيم هذه التجارة بين الشمال والجنوب وتنظيم الأمن ومساعدة التجار وفرض الضرائب على التجارة مما جعلها تجني فوائد هامة ملأت خزائن ملوكها وجعلتهم يشتهرون خارج السودان في العالم الإسلامي وأوروبا.
لكن في القرن التاسع الهجري (15 م) سرى الضعف في مملكة مالي، لعدة أسباب منها الصراع حول الحُكم، وتسلط واستبداد الموظفين الكبار من وزراء ومستشارين بالسلطة، إضافة إلى انغماس الحُكام في الملذات. وغزا الطوارق من الشمال، مملكة مالى نتيجة ضعفها ودخلوا تنبكت وجني وهما عصبا التجارة بالنسبة لمالي، وتزامن ذلك مع نزول البرتغاليين بسواحل أفريقيا الغربية بحثاً عن ثروات مملكة مالي، وأدى هذا الضعف كذلك إلى خروج عدة ممالك صغيرة من نفوذ مملكة مالي كمملكة تكدا في الشرق.
إضافة لما تقدم، كانت هناك مملكة تتحين الفرص أكثر من غيرها للانقضاض على مالي ألا وهي مملكة سنغاي التي دانت بالولاء لمالي منذ عام 1523 م.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى