اخر الأخبار

ثلاثية المبدأ الصالح وتكاملها .. الشرط الأساسي لنهضة الأمة «باقر الصدر» خارطة طريق لكل من يريد الارتقاء

هعخعهخه

بتاريخ التاسع من شهر نيسان عام 1980، تطل علينا الذكرى السنوية لجريمة العصر إعدام المرجع والمفكر والفيلسوف الشهيد آية الله العظمى الامام السيد محمد باقر الصدر، مفجر الثورة الاسلامية في العراق وأخته العلوية العالمة الفاضلة الشهيدة بنت الهدى “آمنة حيدر الصدر” رضوان الله تعالى عليهما ، من قبل طاغية العراق الدكتاتور صدام ولد المرجع الشهید محمد باقر الصدر “قدس سره” في مدینة الكاظمیة المقدسة في 25 ذي العقدة سنة 1353 هجریة الموافق 1933 میلادیة . وینتمي نسبه الشریف إلى الإمام السابع موسى بن جعفر الكاظم “علیه السلام” والده السید حیدر الصدر “قدس سره” من نوابغ العلماء، ووالدته الفاضلة إبنة العلامة الكبیر عبد الحسین آل یاسین “قدس سره” توفي والده وعمره “4” سنوات، فتولت والدته تربیته، وفي ریعان صباه تلقّى العلوم الإسلامیة على ید أخیه السید إسماعیل الصدر. عندما أتم دراساته التمهیدیة في الكاظمیة المقدسة هاجر إلى النجف الأشرف عام 1945 لمواصلة دراساته العلیا وكان عمره الشریف 13 سنة، ودرس على ید كبار مراجع التقلید ونال درجة الإجتهاد وهو دون العشرین من عمره. أوجد مدرسة إسلامیة تتمتع بالشمولیة والأصالة والعمق والحركة الحیویة والتجدید والعالمیة.
نبوغ وذكاء الشهید الصدر
لیس من دأب الشهید المرجع الصدر العبقري والفیلسوف أن تحوم أبحاثه العلمیة حول سطوح البحث والدراسة بعیدة عن العمق ، بل كان یغور إلى أعماقها حتى تبدو له خفایاها بحیث لا یترك مجالاً لأي باحث من أن یزید علیه تحقیقاً، ولم یكن متردداً في ما یرتبه من نتائج أو ما یختار من حلول وآراء، وكان یمتلك قدرة فائقة على سبر غور الأبحاث والدراسات العلمیة التي بحثها أو كتبها، وكان “رضوان الله علیه” حینما یقرأ أو یكتب أو یفكر ینقطع عن المحیط الذي یعیش فیه وینسجم مع الحالة التي هو فیها إنسجاماً بنحو لا یشعر بما حوله ولقد نقل عن زوجته العلویة الصابرة أم جعفر تقول “حینما یستغرق السید الشهید محمد باقر في المطالعة أو التفكیر ینسي كل شيء حتى طعامه فأراني مضطرة في آخر الأمر إلى قطع تأمله أو مطالعته فأقول له: لقد قرب وقت الظهر ولا شيء عندنا، عندها یقوم لیشتري بنفسه ما نحتاج إلیه” ومن الطریف أنه كان یستغرق أحیاناً في التفكیر المستمر طوال الیوم واللیل ولا ینقطع إلا عند النوم ، ثم إنه عندما كان یستیقظ یبدأ من نفس النقطة التي انتهى إلیها عند النوم ، وذلك ما یفسر قدرته الخارقة على إستیعاب جمیع الأمور والأبحاث. وهذه الحالة هي إحدى خصائص السید الشهید الصدر “قدس سره”، ولذلك فإن معظم من عاش وعاصر الشهید محمد باقر الصدر “رضوان الله علیه” یعرف أن كل مؤلفاته كتبها مرة واحدة وبلا إعادة نظر فیها، فهو لا یعرف ما نسمیه بـ “المسودة والمبیضة” وحتى أخطر كتبه وأدقها وأصعبها وهو كتاب “الأسس المنطقیة للإستقراء” كتبه مرة واحدة وهذا أمر یثیر الدهشة فقد كانت سرعته في الكتابة عجیبة قلم یلتهم الصفحات فیملأها نوراً وعلماً وحكمةً فجمیع أبحاثه ودراساته “رضوان الله علیه” ترى فیها إضافة إلى الدقة والعمق مع السعة والشمول، منهجیة رائعة في طریقة العرض. إن عظمة شخصیة الشهید الصدر “رضوان الله علیه” من خلال إنبهار رؤساء دول وحكومات أو شخصیات كبیرة بسبب العموق والعبقریة التي عرف بها من خلال كتاباته وتألیفاته التي تبهر العقول في عمقها وأصالتها، ومن مؤلفاته القیمة: “المدرسة الإسلامیة” وهو حلقة الوصل بین “فلسفتنا” و “إقتصادنا” ألفه وعمره الشریف 26 سنة، وهو دراسة موضوعیة لأهم الأسس الفلسفیة وكتاب إقتصادنا ألفه وعمره الشریف 27 سنة ویشتمل على جزأين في المادیة التاریخیة وقوانین الدیالكتیك، ووضع الهیكل العام للإقتصاد الإسلامي, وفي هذا السياق, هناك خمس مقالات للسيد الشهيد الصدر “رض” كتبها في مجلة الاضواء تعد بمثابة خارطة طريق لكل من يريد الارتقاء ، كما تعد تشخيصا دقيقا لما نمر به ونعانيه, إنّ الشرط الأساسيّ لنهضة الامّة – أيّ امّةٍ كانت- أن يتوفّر لديها المبدأ الصالح الذي يحدّد لها أهدافها وغاياتها، ويضع لها مثلها العليا، ويرسم اتّجاهها في الحياة، فتسير في ضوئه واثقةً من رسالتها، مطمئنةً إلى طريقها، متطلّعةً إلى ما تستهدفه من مثلٍ وغاياتٍ مستوحية من المبدأ وجودها الفكري وكيانها الروحي. ونحن نعني بتوفّر المبدأ الصالح في الامّة وجود المبدأ الصحيح أوّلًا، وفهم الامّة له ثانياً، وإيمانها به ثالثاً، فإذا استجمعت الامّة هذه العناصر الثلاثة فكان لديها مبدأ صحيح تفهمه وتؤمن به أصبح بإمكانها أن تحقّق لنفسها نهضةً حقيقية، وأن توجد التغيير الشامل الكامل في حياتها على أساس ذلك المبدأ، فما كان اللَّه ليغيّر ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم، كما دلّ على ذلك التنزيل الحكيم, وامّتنا الإسلامية الكريمة لا تفقد في الحقيقة من عناصر الشرط الأساسيّ لنهضتها البنّاءة إلا واحداً منها، فالمبدأ موجود لديها متمثّل في دينها الإسلامي العظيم الذي لا يزال وسيبقى أبد الدهر أقوى ما يكون على تحمّل أعباء القيادة المبدئية، وتوجيه الامّة وجهتها المثلى، والإرتفاع بها من نكستها إلى مركزها الوسطيّ من امم الأرض جميعاً كما شاء اللَّه لها، والامّة الإسلامية كلّها مجمعة على الإيمان بهذا المبدأ وتقديسه ديناً وعقيدة، غير أنّ هذا الإيمان ضعيف في الغالب ومحدود لدى كثيرٍ من الأشخاص، وأكبر سببٍ في ذلك عدم امتلاك الامّة بصورةٍ عامةٍ وغالبيةٍ العنصر الثالث وهو فهم المبدأ، فالامّة تؤمن بالمبدأ الإسلامي إيماناً إجماعياً ولكنّها لا تفهمه فهماً إجماعياً، وهذا هو التناقض الذي قد يبدو غريباً لأول وهلة، فكيف تؤمن الامّة بالمبدأ وتدين له بالولاء وهي لا تفهمه حقّ الفهم ولا تعرف من مفاهيمه وأحكامه وحقائقه إلّا نزراً يسيراً, ولكنّ هذا هو الواقع الذي تعيشه الامّة منذ منيت بالمؤامرات الدنيئة المستترة تارةً والسافرة اخرى من أبناء الصليبيّين المستعمِرين، أعداء الإسلام التاريخيّين، تلك المؤامرات الهائلة التي شنّوها على الامّة وكيانها حتى انتهت بالغزو الاستعماري المسلّح، فلم يكن للغزاة من همٍّ بعد القضاء على كيان الإسلام الدولي إلا أن يباعدوا بين الامّة ومبدئها وقامت عملية الفصل هذه بين الامّة والمبدأ على قدمٍ وساقٍ، وهي تعني سلب الامّة إيمانها بالمبدأ وفهمها له، ولكن لمّا كان إيمان الامّة بالإسلام أقوى من تلك المؤامرات والمخطّطات الاستعمارية جميعاً استطاع أن يثبت وينتصر في المعركة، فظلّت محتفظةً بإيمانها بإسلامها العظيم. وأمّا فهم الامّة للمبدأ ومفاهيمه وحقائقه فقد كان هو نقطة الضعف التي نجحت فيها عملية الفصل بين الامّة والمبدأ، فقد استعمل الغزاة الآثمون كلّ الطرق والأساليب للقضاء على وعي الإسلام من ذهنية الامّة وحجب أضوائه وأنواره عنها بما نثروه هنا وهناك من مفاهيمهم وأفكارهم وتشويهاتهم للإسلام المشرق العظيم وهكذا أصبحت الامّة بعد أن نفّذ أعداؤها فيها مخطّطهم الفظيع وهي لا تعرف من الإسلام شيئاً واضحاً محدّداً أو تعرف ما زوّره المستعمِرون من أفكاره وحقائقه وبهذه الطريقة وجد التناقض العجيب في كيانها، فأصبحت لا تفهم الإسلام فهماً صحيحاً كاملًا على الرغم من أنّها ظلّت باقيةً على إيمانها به وبطبيعة الحال أنّ انخفاض الوعي وحجب الصور الحقيقية الزاهية للإسلام عن الأنظار كان سبباً في انخفاض الدرجة المعنوية للإيمان نفسه وفقدانه لكثيرٍ من طاقاته الحرارية الجبّارة، فمسألة الامّة اليوم- وهي تملك المبدأ الصحيح وتؤمن به- أن تقبل على تفهّم إسلامها ووعي حقائقه واستجلاء كنوزه الخالدة ليملأ الإسلام كيان الامّة وأفكارها، ويكون محرّكاً حقيقيّاً لها، وقائداً أميناً إلى نهضةٍ حقيقيةٍ شاملة. فالفهم العامّ للمبدأ الإسلامي إذن هو ضرورة الامّة بالفعل التي تستكمل الامّة به الشرط الأساسيّ لنهضتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى