“أنوار الملكوت في شرح الياقوت” للعلّامة الحلّيّ

المراقب العراقي/ متابعة…
يُعدُّ كتاب (أنوار الملكوت في شرح الياقوت) للعلّامة جمال الدين الحسن بن يوسف بن عليّ بن المطهّر الحلّيّ، أحد أبرز العناوين التي شهدتها إبداعات المدرسة الإماميّة في خلال القرن السابع الهجريّ. وإذا كانت هذه هي منزلة الكتاب، فمنزلة مؤلّفه كواحدٍ من أبرز فقهاء ومتكلّمي الشيعة في عصره، تفترض للحديث عنها منفسحاً معرفيّاً مخصوصاً. ذلك بأنّ المكانة التي تبوّأها في المعارف الإلهيّة وعلوم الفقه والأصول والمنطق والفلسفة جعلته مرجعاً مُؤسّساً لتلك المعارف والعلوم من دون منازع. إلى هذا فقد كانت له مزاياه المفردة في المنهج الذي كان يقارب فيه قضاياه. ففي علم الفقه كان منهجه معتمداً على أسلوب التتبّع والاستقراء والمقارنة. وفي الفلسفة اعتمد المنهج العقليّ الصارم على قاعدة فهم الأشياء كما هي في الواقع، مُعتمداً على الأدلّة والبراهين العقليّة. أمّا في علم المنطق، فقد فعل الشيء نفسه حيث كان منطقيّاً في مقاربة علم المنطق، وهو الأمر الذي مكّنه من اجتياز أكثر المسائل استعصاءً على الفهم والإدراك.
كتب العلّامة الحلّيّ ما يصعب حصره من المؤلّفات. غير أنّ ما وصل إلينا منها، وهو المُتداول في المكتبة الإسلاميّة، يقارب الخمسين سِفْرَاً بين كتاب ورسالة. لكنّ أكثر ما عرفه جمهور القرّاء منها، هو حصراً ما يتعلّق بالفقه وعلوم أصول الدين. أما ما اتّصل بعلم الكلام والفلسفة فغالباً ما اقتصرت معرفته على نُخب محدودة من كبار العلماء، وخصوصاً ممّن كان لهم بالعلّامة روابط تلمذة أو صداقة.
مردّ الاهتمام بعلوم الفقه والأصول في المدرسة الإماميّة لم يكن من قبيل إهمال علوم إنسانيّة كعلوم الحكمة والفلسفة والعرفان، بقدر ما يدلّ على تقدير الأولويّات. وهذا أمر تشهد عليه مؤلّفات أكابر العلماء المؤسّسين لمعارف الإماميّة، كالطوسيّ والمفيد والمجلسيّ والكلينيّ وابن طاووس وسواهم، إلى أمثالهم من العلماء والفقهاء العارفين المتأخّرين على امتداد القرون الهجريّة المتعاقبة. وهي مؤلّفات ركّزت على العقائد والفقه في مواجهة أزمنة شهدت الإعراض عن مكارم الأخلاق وثقافة الوحي على امتداد العصرين الأمويّ والعبّاسيّ.
تجدر الإشارة، إلى السِّمَة التخصصيّة لهذا العمل الذي أشرقت فيه شمس المعرفة على قلب العلّامة الحلّيّ في ميدان الكلام والإلهيّات. و(أنوار الملكوت في شرح الياقوت)، هو في الواقع شرح لكتاب (الياقوت في علم الكلام) لأبي إسحاق إبراهيم بن نوبخت. وهذا الكتاب على ما نعلم من أقدم الكتب الكلاميّة في خزائن المدرسة الإماميّة، وقد طبع سنة 1413 للهجرة في قمّ المقدّسة، كما طبع فيما بعد كتاب (إشراق اللاهوت في نقد شرح الياقوت) – وهو شرح كتاب أنوار الملكوت – أيضاً سنة 1423 للهجرة.
وحسب السيّد عميد الدين ابن أخت العلّامة وشارح (أنوار الملكوت)، فإنّ هناك شروحاً أُخَرَ كتبت على كتاب (أنوار الملكوت) ولم تصل إلينا، إلّا أنّه استفاد منها في شرحه كتابَ (أنوار الملكوت) الذي وضعه تحت عنوان (إشراق اللاهوت في نقد شرح الياقوت). ونفهم من بعض عباراته أنّ كتاب (أنوار الملكوت) كان متداولاً بين أيدي طلّاب العلم آنذاك، وكان يُدرّس في حوزات الشيعة الإماميّة؛ كان عميد الدين يقول: قال الشارح، دام ظلّه، يعني خاله العلّامة.



