اراءالنسخة الرقمية

العراق .. الاستقرار والأمن من عوامل البناء

عبد الخالق الفلاح
الخطر الأمني الحقيقي مازال قائماً يهدد المحافظات المحررة وليس فيه شك بالتزامن مع الضغط الذي تواجه به التنظيمات الارهابية في سوريا وعلى الجبهة الخارجية المتمثلة بمناطق الشريط الحدودي معها في غرب العراق نتيجة ضغط القوات المسلحة السورية للقضاء على هذه المجموعات مع الدول المتحالفة مثل روسيا والجمهورية الاسلامية الايرانية وتركيا المتحسسة من الأكراد في المناطق القريبة من حدودها وما تبقى من العصابات السائبة الاخرى والخلافات البينية التي تنهش جسد هذه العصابات على الخلافة، فيما عدا ذلك فان تأخير تشكيل الحكومة واختيار الوزراء الأمنيين أزمة أخرى تساهم في التراجع الأمني في الوقت الراهن بعد ان استغلت تلك العصابات هذه المشكلة والتي مازالت تراوح في مكانها بسبب العناد بين الكتل السياسية وفرض الارادات على حساب المواطن وعدم الوصول الى حل لإنهائها. لكن خطر التنظيم لا يرقى إلى مستوى التهديد العسكري لان هذه العصابات قد فقدت الكثير من مقوماتها وباتت محصورة في زاوية تكاد تكون محسوبة ومحسومة في النظم العسكرية وتحتاج الى وقت وجهود مضاعفة لكشف مخابئها، وتحتاج الى تعاون الأهالي مع الأجهزة الأمنية بعد تحرير المدن لكشف الخلايا النائمة والمتعاونة معها ما ان تحركت وبناءً على الثقة التي نالتها هذه الأجهزة من جيش وشرطة وحشد شعبي بعد جهود التي بذلتها في تحرير المدن والتضحيات الجسيمة التي قدمتها أصبح لها قبول منقطع النظير من الاهالي، وما أثمر عن الكم الهائل من المعلومات المهمة عن هذه التنظيمات. ومن الركائز الاساسية لعمليات اعادة الاعمار للمناطق المحررة، هو الأمن، اذ يعد من الدعامات الاساسية لأي مجتمع وبالتالي، لا يمكننا تصور فرض وجود اعمار للدول المتضررة من دون وجود حالة من الاستقرار الأمني لها، اذ كلما كان المجتمع مستقراً امنياً ، كلما كان ذلك يوفر لها سيطرة على اعمال التخريب التي تقوم بها الجماعات الارهابية ، ولذلك يعد موضوع الأمن في مقدمة الاهتمامات الفعلية لصنع القرار في الدولة ، فإزالة آثار المظاهر المسلحة وبجميع صورها ، والعمل على جعل السلاح فقط بيد الجهات الأمنية ، كفيل بإعادة فرض الأمن والنظام فيها، واعتبار اية جهة تمتلك السلاح خارج حدود الدولة، من العناصر الارهابية وينبغي محاربتها بوصفها خارجة عن سلطة القانون ، وتضر بأمن المناطق وبلا شك أن إعادة إعمار المدن المحررة التي تعاني من نقص شديد في الخدمات الرئيسة ودُمرت شبكات نقل الكهرباء ومياه الشرب والمؤسسات والمراكز التي تقدم الخدمات الصحية والخدمية الأخرى فيها لا تعني تأهيلاً فقط بل بناء واستحداث مدن جديدة بسبب الدمار الكبير الذي لحق بالبنية التحتية وبالمناطق السكنية هي من واجب الحكومة ، فضلاً عن الأضرار الكبيرة التي لحقت بالمواطنين وملكياتهم والتي قدرها خبراء بـ100 مليار دولار، كما أن توجهات الحكومة لإعادة الحياة إلى تلك المناطق لا تتلاءم وإمكانات العراق بسبب الازمة المالية الحالية لانخفاض أسعار النفط في ظل الديون الكبيرة البالغة نحو 64 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لاعتماد الميزانية السنوية على بيع النفط غير المستقر بين الارتفاع والانخفاض، ان إعادة الإعمار ستعتمد على ما سيتم تخصيصه في إطار الموازنة العامة للدولة والتي لا يقل العجز فيه عن العشرين مليار دولار ويحتاج الى فتح آفاق الاستثمار أمام المستثمرين وتسهل الامور لهم ، فضلا عما سيحصل عليه العراق من منح وإعانات دولية التي لم تفِ بوعودها لحد الان، كذلك ان بناء الانسان في المناطق المحررة بعد الانتهاء من تنظيم داعش لا يقل أهمية عن اعمار البنية التحتية فيها اذا لم يكن الاهم ، والى ضرورة ايجاد استراتيجية حقيقية يتعاون عليها كل الاطراف للقضاء على هذه الافكار المريضة التي زرعتها المجموعات الارهابية في عقول البعض من ابناء تلك المدن ويبدأ بتعزيز الجانب التربوي في تلك المرحلة ، اي العمل على ايلاء البعد التربوي ، الأهمية القصوى ، من خلال الاهتمام بتعليم الأطفال وإعادتهم للدراسة ، وخاصة الصغار منهم باعتبار ان الاطفال يمثلون الثروة المستقبلية للبلد ، وعليه لابد من التفاعل الايجابي مع مسألة اعادة الأطفال لساحات الدرس ، وعدم التفريط بهم وتسريبهم من المدرسة والتي كلفتهم سنوات ثلاث من اعمارهم ، وإعادة ادماجهم بالمجتمع وإعادة بناء الثقة بقدراتهم والتركيز كذلك على الشباب منهم في اعادة بناء شخصيتهم وتوفر العمل لهم ودمجهم في المجتمع وبناء هذه الطبقة من الطبقات المتضررة ليست عملية هينة وبسيطة . وبرغم كل ذلك وأقولها بمرارة أن ملف إعمار المناطق المحررة، سيبقى متأثرا بالتحالفات السياسية والكتل المتصارعة ولسياسيي تلك المحافظات، فضلًا عن الوضع الإقليمي المرتبط بالتصعيد التركي الامريكي الاسرائيلي، ولاسيما أن الفصائل المسلحة المدعومة من الولايات المتحدة الامريكية تسيطر على جزء مهم من المحافظات السورية والمجاور لحدود بلدنا ، وتضعها ضمن نقاط قوتها في التفاوض السياسي للاستفادة منها عند الحاجة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى