النسخة الرقميةثقافية

مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم

60

تدعيماً لِمَا ذكرناه آنفاً، فإنَّ السَماويَّ يحيى أسرني ذات مرة، إعجابه بمقولةِ الشاعر النمساوي راينر ماريا ريلكه (1875 ـ 1926) الَّذِي يشار إليه باسْمِ الشاعر الذي قتلتْه وردة، فضلاً عَنْ أَنَّه يُعَدّ وَاحداً مِنْ أكثرِ شعراء الألمانية تميزا، وَالَّتِي نصها «الأعمال الفنية تنبع دائماً من أناس واجهوا الخطر، ووصلوا إلى النهاية القصوى للتجربة، وكلما ازدادت جرأة الإنسان على التوغل، أصبحت الحياة أكثر جدارة للاحترام وأكثر ذاتية وأكثر تفرداً»، بَيْدَ أنَّ السَماويَّ الَّذِي نَشرتُ عَنهُ قبل سنوات تدوينة كتبت فِيهَا «السَماويُّ قامةٌ سامقةٌ فِي سوحِ الثَّقَافَة، وَصوتٌ باسقٌ معني بقضايا الإنْسَان، وَتأريخٌ حافلٌ بالنضالِ ضد الدكتاتورية»، وَبفضلِ مَا عُرِفَ عَنه مِنْ تواضعٍ يترجم فلسفته فِي الحياة وَرؤيته حول التعامل مَعَ الإبداعِ الأدبي بالقول: «لا أزعمُ أنَّ ليّ أعمالاً فنية ترقى إلى ما يطمح له الفن ـ شعرا كان أو نثراً أو سواهما ـ لكنني أعدّ حياتي ذاتها موضوعاً فنياً يتوجب عليّ خوض غماره بصدقٍ كي تكون الحياة جديرة بالاحترام»، فالوطنُ على وفقِ رؤية السَماوي يحيى، يمثل «الحبيب» الَّذِي استعذبَ مِنْ أجلِه أقسى العذابات، لكن ولاة أمره كما يقول: «جعلوني أشعر أنني أحبه مِنْ طرفٍ واحد؛ نتيجة حماقاتهم وسياساتهم الَّتِي جعلته فِي شبه حالة إغماء». ولعلَّ مِن المذهل أَنْ يعترفَ السَماويّ بعدمِ كتابته قصيدته الأُمنية، حيث يشير إلى ذلك بِمَا نصه: «لم أكتبها بعد، ولن أستطيع كتابتها؛ إذ أَنَّ قصيدتي الأُمنية سيكتبها غيري، وعند ذلك سأشعر بفرحٍ صوفي وأنا متدثر بالتراب».
نـخـلـةَ اللهِ الـبـتـولـيّـةَ: سِـرِّي بـاتَ جـهـراً..
فـاكـتـمـي جـهـري الـذي أصـبـحَ سِـرِّيْ
آنَ لـيْ أنْ أخـلـعَ الان جـلابـيـبَ وقـاري
لأعـودَ الـطـفـلَ يـلـهـو بـيـن مـوجٍ هـائـجِ الـمَـدِّ
وجَـزرِ!
مُـسـتـعـيـراً مـنـكِ يـا مـعـصـومـةَ الـعـشـقِ جـنـاحـيـنِ
فــأمـضـي رحـلـتـي داخـل ذاتـي!
فـأنـا أصـبـحـتُ غـيـري!
كـلَّ يـومٍ:
وأنـا أولَـدُ إنـسـانـاً جـديـداً..
لـمْ أعـدْ أعـرفُ كـمْ أصـبـحَ عـمـري!
فـرحـي فـاضَ فـغـطـّـى ضِـفـتـيْ نـهـري
ووديـانَ «طـوى» الـعـشـقِ
ويُـسـري!
مِنْ بَيْنَ مظاهر الاضطهاد الكثيرة الَّتِي تعرض لَهَا السَماويّ، أَنَّه يوم كان مدرساً فِي إعداديةِ السَماوة، وَزّعت النقابة ـ بإشراف حزب السلطة ومديرية الأمن ـ قطع أرض عَلَى المعلمين والمدرسين، لكنه ـ وَكثير غيره ـ لَمْ يحصل عَلَى مترٍ مربع واحد مِنْ تلك الفعالية، حيث ألزمته الظروف الاكتفاء ـ مِنْ كُلِّ مساحة العراق ـ بغرفةٍ يتيمة فِي بيتِ أبيه قبل أنْ يستأجرَ حجرة وَصالة صغيرة لمكتبته مِنْ بيتٍ يُطل عَلَى أخدودٍ كان يوماً مجرىً لمياه الأمطار. وَقد شهدت هَذِه الحجرة البائسة ولادة طفلته البكر الشيماء، وَفِي الحجرة ذاتها كان يخطط للهربِ مِنْ عراق «القائد الضرورة». وَلا رَيْبَ أَنَّ هَذِه الخلفية المؤثرة بوجعِها الإنسانيّ ستكون حاضرة حين يهم بكتابةِ قصيدة، فالسَماويّ أو «الصانع الأمهر» بحسبِ الشاعر العراقي المغترب فِي بلجيكا جبار حمادي، كان محكوماً بقساوةِ العيش فِي ظلِ النظام الشموليّ الَّذِي ساهم بِمَا عُرفَ عَنه مِنْ أساليبَ استبدادية ببلورةِ فكرة الانعتاق فِي ذهنِه، وَتعميق سعيه للخلاصِ مِن الظلمِ الصارخ الَّذِي تعرض له، باهتدائِه إلى آليةِ الهرب خارج البلاد. وَلعلّ مِن المناسبِ أنْ نشير هُنَا إلى أَنَّ وَالده حين اكتشفَ بالصدفة نيته الهرب، وَبخهَ علَى تصميمه مغادرة البلاد، فكان جوابه لأبيه فِي كُلِّ مرة مَا يلي: «مَا الذي أخسر لو هربت؛ ما دمت لا أملك في وطني بضعة أمتار»؟ بَيْدَ أنَّ جوابَ الحاج عباس «طيّب الله ثراه» كان عميق الدلالة؛ لِتيقنِه مِنْ وجودِ مَا يلزمه إبعاد فكرة الهرب عَنْ ذهنِه، وَهو خسارته أصدقاءه. وَلَعَلَّ إشارة وَالده هَذه تعيدني إلى مَا ذَكرهُ السَماوي ذات غربة وَهو يلتفت إلى الأمسِ البعيد قائلاً: «قبل سنين كثيرة، زمان كان أبي يتنقل بأطفاله الثمانية بَيْنَ بيت وآخر مِن بيوتٍ رخيصة الإيجار، كان يقول لأمي: ليس مهماً إنْ كان موجوداً في البيتِ مصباح كهربائي، ما دمنا نملك فانوساً.. المهم وجود جارٍ نقيّ وشريف». وَمَا هو ملفتٌ للنظرِ بمضمونِ مقولة الحاج عباس «الحكمة» فِي ظلِ معطيات الحياة المعاصرة الَّتِي نعيشها اليوم، هو أنَّ شعباً «هويته الأنين»، يسعى عَلَى الدوامِ إلى مداواةِ آلامه بالعودةِ إلى الماضي الَّذِي نشير إليه بوصفِ «الزمن الجميل» عَلَى الرغمِ مِنْ نكدِ العيش فِي أيامه؛ بالنظرِ لبساطةِ الحياة وَطيبة الأهالي وتميزهم بالصدق وَغيره مِن سجايا النبل، وَهو الأمر الَّذِي يجعلنا نستشف أنَّ هناك ماضياً جميلا كان فِي الأمسِ البعيد يسكن تلك البيوت البائسة المتواضعة، وَلعلَّ خيرَ مصداقٍ عَلَى مَا تقدم هو حكايات الأوفياء لعشقها.
عوداً عَلَى بدء، يَبْدُو أنَّ السَماويَ يحيى كان مقتنعاً بتنفيذِ خطة الهروب إلى خارجِ البلاد بَعْدَ أنْ وجدَ نفسه عالقاً مَا بَيْنَ «فكي كماشة»؛ إذ تنامت أسباب تفكيره بِهَا، وَنضجت الظروف المَوْضُوعيَّة لتحقيقِها، ومثلما يقول الشاعر إبراهيم بن قيس:
قالوا دمعتَ فقلتُ الدّمع من رمدِ
والعينُ ما دمعت إلّا على الكمدِ
كأنَّ في كبدي رقطـــاء تلسعُها
كأنّما زفرات النّـــار في كبدي
وَيمكنُ القول إنَّ السَماوي، وَإنْ كان كتوماً وَحذراً وَفِي «صدره لسرِه متَّسعْ»، إلا أنَّه لا يمكن أنْ يخفيَ أمراً عَلَى وَالده وَمعلمه الأول، حتى لو كان ذلك الأمر بالغ الأهمية أو شديد الخطورة كاستلهامه الإنسانيَّة فِي التطلعِ إلى الهربِ بحثاً عَنْ فضاءٍ حر؛ إذ عَلَى الرغمِ مِنْ إدراكِه أنَّ هناك أذناً واعية تصغي إليه باهتمام، إلى جانبِ إحساسه بأبوةٍ مسؤولة عند مكاشفته بمراميِه فِي التخلصِ مِنْ سطوةِ الاستبداد، فإنَّه يجيب عَلَى تحذيرِ وَالده بصراحةٍ متناهية بالقول: «إنْ لَم يهرب أصدقائي، فسيعدم أكثرهم». وَالمثيرُ للاهتمامِ أَنَّ هَذَا مَا حدث فعلاً، فَأبناء جيله أكلت أغلبهم الحروب الغبية، وَغَيبت أو حصدت أرواح الكثير مِنهم المشانق وَرصاص الإعدام وَالمقابر الجماعية، فضلاً عَنْ أمراضٍ أماتت بعضهم فِي غياهبِ السجون وَالمعتقلات. وَيضاف إلى ذلك «غربة» سلبت بعضهم الآخر، وَالَّتِي رُبَّما أجاد فِي التعبيرِ عَنْ خلجاتِها وَعواطفها وَآلامها، تعبيراً صادقاً الفيلسوف وَالكاتب وَرجل الدولة الإنجليزي فرانسيس بيكون (1561 ـ 1626) المعروف بقيادته للثورةِ العلمية عَنْ طريقِ فلسفته الجديدة القائمة عَلَى الملاحظةِ وَالتجريب، حيث يشير بيكون «إذا كان المرء لا يدري إلى أي ميناء يريد أن يذهب، فإن كل ريح تهب عليه لن تناسبه».
ظميء.. والنهارُ ظمي
إلى شمسٍ من القيَمِ
يَغُّذ إلى الديار السيرَ
في صحوٍ وفي حُلم
فما جازتْ ركائبُهُ
سوى سطرين من كَلِم:
إلهي جفّ طين العمر
لا أقوى على سَقمِ
إلهي صُنْ عراقَ الروحِ
من هوجاءِ مُضطرَمِ
تجيّشتِ الهمومُ عليه
من سفحٍ إلى قمَمِ
فمن جوع إلى وجع
ومن ضيْم إلى ظُلَم
ولا من حيلة فأحوْلُ
بين أسى ومغتنم
أنا الراعي، وعاطفتي
عصاي.. وأضلعي غنمي
دمي مرعايَ.. والينبوعُ
دمعي.. والوجاقُ فمي
أنادمُ في هزيع العمرِ
ما أهرقتُ من ديم
وقد مَلكَ الهوى مني
ندى روحي ودفء دمي
عشقنا.. فانتهينا
بَيْـن مُتَّهِمٍ ومُتَّهَمِ!
كلانا نادمٌ.. والعشقُ
قد يُفضي إلى ندَمِ!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى