أمل دُنقل و رحلة الخلود السياسية
موج يوسف
يولد الإنسان في رحم أمه وهذه العادة، لكنَّ الحياة تهب له ولادة اخرى بلا رحم، بل بعمليةٍ معقدة مخاطة بنسيجٍ متراخٍ ينقطع ويترك صاحبه مرمى على قارعة الدينا. الشاعر «أمل دنقل» ولد بأمل لكن نشأ محاط باليأس، ممّا انعكس سلباً على ذاته إذ أصبحت تعج بالثورة على السياسية والمجتمع وحتى على ذاته، فالمرحلة التي عاشها شاعرنا ــ الستينيات والسبعينيات ـ كانت مرحلة صراع محلياً ودولياً وخيانات من حكامها ومؤامرات تحاك لوطننا العربي والشعب يعيش بين الفقر والجوع وبين التخلف والآفات الاجتماعية الأخرى، نتج من تلك المرحلة الشاعر أمل دنقل فظل يصارع بطش السلطة وينتقد السياسية العربية، ويعبر تارة عن المجتمع معلناً أسفه، وكانت النكبات العربية وضياع كرامة العرب أشد تأثيراً على ذاته، فمع تعالي أصوات الثورة عنده نلحظ كتابته الشعرية جاءت بصورة فنية ذات مغزى سياسي، فيقول في قصيدته من أوراق أبي نواس:
كنت في كربلاء
قال لي الشيخُ إنّ الحسين مات من أجل جرعة ماء
وتسألتُ كيف السيوف استباحت بني الأكرمين؟!
فالشاعر تأثر بشخصية الحسين (ع)؛ كونه خرج للثورة ولدحض السياسات الباطلة لكنّه في المقابل قُتل، فكأنه يشير أن كل من يخرج للثورة سيقتل في ظل حكامنا العرب. مرحلة أمل ولّدت لنا رحلة مع الخلود السياسي ففي عصرنا ومع الثورات العربية نرى الثوار قد رفعوا اشعار امل دنقل، وكتبوها على الجدران في مصر:
لا تحلموا بعالمٍ سعيد
فخلف كلّ قيصر يموتُ قيصرٌ جديد
وخلف كلّ ثائرٍ يموتُ: أحزان بلا جدوى
فالثورة هيمنت على شعره، فضلاً عن خلوده مع كل الثورات التي حدثت في مصر حين رفعوا شعاراتهم من أبيات قالها. فثورته كانت تحلم بعالم سعيد فيه تتساوى الطبقات ويسود العدل والسلام حتى لو كلفته أن يدفع نفسه فداءاً من أجل الحرية والكرامة، فيقول:
فلترفعوا عيونكم للثائر المشنوق
فسوف تنتهون مثله غداً
وقبلوا زوجاتكم هنا على قارعة الطريق
فسوف تنتهون ههنا.. غداً
أمل عاش من أجل الأمل، و خُذِلَ من كلِّ الجهات، لكنَّ شعره السياسي عاش في خلود.



