التحوّلات الاستراتيجية في 2018 وملامح العام الجديد
ايهاب شوقي
الانتقال من عام الى عام جديد، يحمل معه دائما شعوراً ملتبساً، ويكون مزيجاً من التفاؤل بالبدايات الجديدة والتطلعات من جهة، وخوفاً وتوجساً من الغيب وما يخفيه، من جهة أخرى. والعام في عمر الزمن، هو وحدة صغيرة جداً اذا ما وضعت لقياس التحولات الاستراتيجية، والتي تتطلب زمناً يتماشى مع وجهها الاستراتيجي طويل الأمد وكثير التعقيد، ولكن هناك استثناءات لبعض الأعوام، والتي تواكب التغيرات المفصلية، والتي تتزامن مع نهاية مرحلة استراتيجية بتراكماتها ومحصلاتها، والبدء في استراتيجية أخرى بتوازنات جديدة. وعلى سبيل المثال، فإن العام 1989، والذي شهد سقوط سور برلين وتوحد المانيا، وبالتالي انهيار معسكر أوروبا الشرقية، كان عاما فارقا وهو المفصل الحقيقي لسقوط استراتيجية الحرب الباردة، ولو أن ارهاصات النهاية بدأت قبلها بسنوات شهدت بدايات تفكك الاتحاد السوفيتي وضعفه، ولو أن أيضا تبعه بعامين، الاعلان الرسمي لتفكك الاتحاد السوفيتي، إلا أن العام 1989 شهد النهاية العملية لمرحلة والبدء في مرحلة جديدة. ربما كان هذا العام 2018 الذي نودعه لنستقبل عاماً جديداً، من هذه النوعية، ولكنه بشكل عكسي، حيث يعود بالزمن لإستراتيجية حرب باردة جديدة، لعالم متعدد الاقطاب، بعد مرحلة اختلال للتوازن العالمي، شهدت سطوة كبرى للولايات المتحدة، والتي لم تحسن ادارة عالم وجدته بين يديها، وتصورت أنه لقمة سائغة، فأوغلت فيه طمعا وجبروتا، دون تحسب لمكامن القوى التقليدية القادرة على استرداد مكانتها من جهة، ولا القوى الناشئة والتي تستعد للترقي العالمي من جهة أخرى. وبرغم أن التحولات تحدث على مدى زمني يفوق العام، إلا أن محطات فارقة تعد بمثابة إعلان عن التحول، وهنا يمكننا باختصار شديد رصد التحولات الاستراتيجية الرئيسة في العام 2018، على النحو التالي: على المستوى الدولي، رسخت أمريكا يقينها بعودة أقطاب مناهضة لها، باحترام هذا البروز واحترام حدود قوته، وإعادة التمركز بناء على هذا الاحترام، وبرغم أن اعادة التمركز، تنتمي لعالم التكتيك، إلا ان فحواها ومواقعها الجديدة تنتمي لعالم الاستراتيجية. وهو ما يحتاج لتوضيح بسيط، فإعادة تمركز قوات داخل بلد أو حتى اقليم لطوارئ تكتيكية، تختلف عن اعادة التمركز داخل ساحات لا تعد جبهات مباشرة مع خصم يصعب مواجهته، ومن هنا يمكن وصف سحب القوات الأمريكية من سوريا بأنه نقلة أو تحول استراتيجي، لأن سوريا كانت جبهة مباشرة مع روسيا، وكما عكس التدخل الأمريكي في بداية الأزمة استراتيجية مفادها التمركز تحت ذريعة الحرب على الارهاب، عكس ايضا الانسحاب استراتيجية مفادها العودة للجذور والحرب الباردة عبر التوازن البعيد وغير المباشر. أيقنت أمريكا ايضا أن نفوذها في أقصى شرق أوراسيا مهدد عبر التمدد الصيني، وعبر الخطورة النووية لكوريا الشمالية، وعبر التقارب الروسي الصيني والذي يشكل خطرا كبيرا لطرد أمريكا من هذه المنطقة التي تمثل نقطة ارتكاز رئيسة في العقل الاستراتيجي الامريكي، وبالتالي شهد العام تراجعا في لغة التهديد الامريكية والالتفات لسياسة الحرب الباردة بمواكبة التطورات التقنية والفضائية الروسية والصينية، مما جعل العام يشهد تدشينا لمشروعات كبرى امريكية بهدف المنافسة والمواجهة، وهو ما يمثل تغييرا للأولويات يعكس تغييرا للإستراتيجية. أيقنت أوروبا أن التبعية للعولمة ستحدث شروخا عميقة في بنيتها الداخلية، وستؤدي الى نمو تيارات يمينية ويسارية، تتفق على هدف واحد وهو المناهضة للعولمة، وان العولمة فضفاضة، لا تستطيع الشعوب التنشين على هدف محدد بها، وبالتالي، فان الغضب سيتوجه لممثليها، وهم حكومات اوروبا، وبالتالي خرجت بريطانيا، وقد تفضي احتجاجات الشعوب لخروجات جديدة، كما افرزت التداعيات الاقتصادية للعولمة وما صاحبها من توتر، تململا من حكومات اوروبا من السياسات الامريكية التي تورط أوروبا في مزيد من الاستنزاف، عبر الضغوط الامريكية لزيادة الانفاق العسكري، وكذلك سياسة الحصار على خصوم أمريكا والتي تأثرت بها مصالح اوروبا مع الدول المستهدفة بالحصار مثل روسيا وايران، وهذا التململ يعد تحولا استراتيجيا يضفي مزيدا من العزلة على امريكا ومواقعها في غرب اوراسيا. على المستوى الاقليمي، انعكست التحولات الاستراتيجية الدولية على الداخل الاقليمي، حيث ايقنت القوى الاقليمية التابعة لامريكا، ان استراتيجية التمركز بدعوى الارهاب أو نشر الديمقراطية، وما يصاحبه من زخم اعلامي دعائي وضغط عسكري، قد فشل في اقناع الشعوب، كما فشل في هزيمة المقاومة، ولم يهزم إلا القوى الضعيفة الهشة والتي ارتكزت على امريكا فاستبدلتها بأخرى، وشهد العام اعترافا ولو صاحبته المكابرة بالهزيمة والفشل، كما شهدت اواخر العام اعلانات لهذا الفشل، مثل عودة سفراء دول الى سوريا، وتفاهمات بشكل أو بآخر مع ايران، وكذلك اعتراف بالمقاومة اليمنية عبر التفاوض.على المستوى الاقليمي ايضا، شهد العام توازنا للرعب، فرضه محور المقاومة، وأصبحت الأجواء غير حصرية للعدو الاسرائيلي وباتت الغارات الصهيونية مكلفة عسكريا وسياسيا، وتراجعت سطوة العدو الاسرائيلي على غزة، ويدخل العدو مع كل هذه التطورات في ازمات داخلية متلاحقة، وفي حلقة مفرغة من التهور وإصلاح الاخطاء بالأخطاء. شهد العام ايضا، بوادر تعيين شرطي جديد للمنطقة، بعد فشل امريكا لان تصبح هي الشرطي، وقد اعلن ترامب ذلك صراحة، كما افصح ترامب عن الشرطي الذي يخلفه عندما خاطب اردوغان بقوله «سوريا كلها لك..لقد انتهينا»، وهو ما يؤكد تحليلات تقول بأن تركيا مرشحة لممارسة هذا الدور كوكيل لأمريكا والناتو، وكمقابل موضوعي في العقل الغربي لإيران. والآن ما هي ملامح 2019، وفقا لهذه التحولات ؟ هذه التحولات تقود الى مزيد من الدبلوماسية القسرية وربما سياسة حافة الهاوية، حيث الضغوط السياسية والاقتصادية دون مواجهات مباشرة، وتبقى المواجهات مؤجلة لحين محاولة استعادة التفوق الامريكي والصهيوني، وعليه فان الملفات مرشحة لتسويات ما قبل (الربيع العربي)، فلربما تعود سوريا للجامعة العربية، ولربما يحاول العرب استمالتها بعيدا عن محور المقاومة «وفق تصورهم»، ولربما تكتسب تركيا مناطق نفوذ جديدة، وغالبا سيتم اللعب بالورقة الطائفية، وتعميق سياسات الحصار عوضا عن مواجهات مباشرة. أما اذا حاول العدو الاسرائيلي خرق هذه التحولات بعمل أحمق، يرى أنه أفضل من استمرار الوضع الراهن وتنامي المقاومة بصورة أخطر عليه، فإن الأمور ستنزلق الى ما هو خارج العقل والسياسة والتوازن والإستراتيجية.



