قراءة في كتاب «سايكس داعش بيكو» الحمراني وأم صبحي وأم ضوية وجخيور العراقي

د. علي حسن مزبان
القسم الثاني
كتاب (سايكس داعش بيكو) للكاتب الساخر المبدع الأستاذ حامد الحمراني مقالات ساخرة نُشرت في الصحف ثمّ جمعها في كتاب.
قرأت الكتاب فعجبتُ كلَّ العجب وتساءلت كثيراً مع نفسي لِمَ لمْ يكتب النقّاد والمثقفون شيئاً عن هذا الكتاب الذي أراه ثورةً فكرية من حيث الطرح والجرأة التي تمتّع بها الكاتب المبدع حامد الحمراني حين سبرَ أغوار مجتمعه فكتب ما كتب. كتبَ حين سكت المثقفون إزاء ما يجري لأسباب كثيرة لا أعرفها.كشف الحمراني الحقيقة على الرغم من مرارتها في بلدٍ عاش زهاء خمسٍ وثلاثين سنةً مكبّلاً بالقيود والاضطهاد والظلم فامتلأت السجون وضاقت الأرض بما رحُبت بالجثث وكان سقوط الصنم موعداً لكشف المقابر الجماعية التي ضمّت خيرة شباب العراق الذين حملوا المبادئ السامية معهم فضلاً عن السجون السرية تحت الأرض وبدأت صفحة جديدة بعد عام 2003م إذ كان الشعب ينتظر جديداً, ينتظر شمساً تّشرق بعد ظلام طويل لكنَ الطامة الكبرى حلّت حين استولت أمريكا على كلّ شيء فجرى ما جرى.
كان كاتبنا المبدع حامد الحمراني يُسجّل في ذاكرته كلّ الأحداث التي تجري لكنّه عالجها بطريقة مخالفة لما كتب الآخرون إذ اتّبع طريقة (السخرية), والسخرية قديمة استعملها قبله أصحاب (المقامات) كبديع الزمان الهمذاني والجاحظ قبلهم وغيرهم. لكنَّ الحمراني كان يكشف الحقائق وينبش التاريخ ويربط الماضي بالحاضر من حيث استنطاق النصوص والشخصيات جريئاً غير هيّاب ولا مبالٍ فكان عنوان كتابه وهو عتبة مهّمة من عتبات النصّ (سايكس داعش بيكو) عنواناً لافتاً للنظر, لم يقصد الكاتب الحمراني بـ (سايكس بيكو) تلك المعاهدة التي جرت في أوائل القرن العشرين 1916م وإنّما قصد بها سايكس بيكو الجديدة حين أرادت أمريكا تقسيم الوطن العربي من جديد وسمّته (مشروع الشرق الأوسط الجديد) وخطّطت له تخطيطاً بعيد النظر هي وإسرائيل.
لو فحصنا عنوان الكتاب في ضوء عتبات النص لرأينا الإبداعات الفنية تجري في سلسلة الإنجازات العملية التي تحتاج إلى جهد دؤوب في ترتيب أشكال مختلفة من الفعاليات النصيّة ذات القيمة البنائية في خلق وحدة متكاملة لعمل لا يقتصر على تدوين جزيئات ما رآه الكاتب بل يسعى إلى نمطية شديدة الاختصار كانت تتوارد في ذهن الكاتب فيخلق منها مادّة منسجمة أحياناً فيكون هذا التنافر سبباً في تقنية الانزياح والعنوان من أهم العتبات النصيّة التي تستشرف حقول الدلالات, وتطلّ على ظلال المعاني وتألّق العبارات وهذا ما نراه عند كاتبنا المبدع الحمراني. و(داعش) التي عرض لها في العنوان هي صناعة إسرائيلية أمريكية بأموال سعودية وقطرية ودعم تركي ثم جاؤوا بهم إلى سوريا والعراق , وكان دخولهم إلى الموصل حيث كانت لهم حواضن مهّيأة لاستقبالهم في الموصل والرمادي وديالى وتكريت صفّقت لهم وساعدتهم كثيراً لاحتلال العراق لكنّ نظام (المحاصصة) جعل السياسيين لا يكترثون لما يحدث, ولا يضعون النقاط على الحروف ويكشفون زيف هذه الحواضن ومَنْ كان يقف وراء دعمهم ومدّهم بالرجال والمال والإعلام سواء في الحكومة أم مجلس النوّاب الذي كان يعجّ بهذه الشخصيات الداعمة للدواعش إذ كانوا يدافعون عنهم ويطلقون لقب (الثوار) عليهم. وسط هذه المهازل تصدّى الكاتب حامد الحمراني ليسقط الأقنعة من خلال كتاباته الساخرة هذه. فكان أسلوبه رائعاً اعتمد على اللغة الفصحى في عملية توصيل أفكاره للمتلقي وأحياناً استعمل ألفاظاً عامية ليوصل أفكاره إلى عامة الشعب, لأن خطابه الساخر كان عاماً لا خاصّاً للمثقفين فقط بل لعامة الشعب العراقي.
من هذا قوله في صفحة (14) «شنّت القوى التكفيرية هجوماً خطابياً مفخّخاً هو الأوّل من نوعه ضدّ من أسمتهم بالإمبريالية وبني إسرائيل وصهيون (إخوانهم من الصياعة وليس الرضاعة)».
انظر كيف استخدم (الجناس) (الصياعة ـ الرضاعة) والصياعة ليست مفردة فصيحة بل وظّفها الكاتب توظيفاً فنياً لإيصال الفكرة بأسلوبه الساخر.
وسأعرض لهذه الظاهرة التي وردت عند الكاتب من خلال كتاباته الساخرة:
أوّلاً- استعماله الجناس:
استعمل الكاتب المبدع (الجناس) في مواضع متفرقة من كتابه ومقالاته الساخرة ووظّفه توظيفاً رائعاً لخدمة نصّه النثري, ففي موضع من كتابه وهو يدين (داعش) ويندّد بها وبالذين صنعوها محاولاً أنْ يبيّن العلاقة بين داعش الوليدة وبين أسيادها إسرائيل وأمريكا بقوله:» شنّت القوى التكفيرية هجوماً خطاباً مفخّخاً هو الأوّل من نوعه ضدّ من أسمتهم بالإمبريالية وبني إسرائيل وصهيون (إخوانهم من الصياعة وليس الرضاعة)» صفحة 14. وبجناسه هذا يربط بين داعش وإسرائيل وعلاقتهم لكنه سخرّ منهم بقوله (صياعة- رضاعة) مستغلاً هذا التناغم الموسيقي الحاصل من تقارب الأصوات في اللفظتين. وبهذا فضح أهداف هؤلاء الأوباش الذين كانوا يسعون إلى استمرار الفوضى في العراق والتأجيج الطائفي في المنطقة لضمان وجود أمريكا في المنطقة وسحب مليارات الدولارات من دول الخليج وفي موضع آخر استعمل كلمتي (كافر, حائر) وفيهما جناس غير تام مع اختلاف المعنى حينما سخر من الغرب بقوله: «وألمحت في بيانها وضمن تهديداتها أنّها ستترك التعامل مع المؤسّسات الكيمياوية الأوربية وستترك استيرادها لمادة (التي أنْ تي) وستجعلها مؤسسة ساخرة وأنّها ستصدّر فتوى تفيد أنّ هذه الموادّ لا يجوز استعمالها في القتل لأنّها قادمة من الغرب الكافر أمّا إذا رضخت للمطالب في أعلاه فسوف تصدّر فتوى مفادها, يجوز أكل (التي أن تي) بنيّة (التبسي) وأنّ الغرب ليس كافراً وإنمّا حائر»، صفحة 15.
انظر كيف وظّف هذا الجناس في خدمة النصّ بعد أنْ فضح مؤسسات الغرب وما تصنعه من أسلحة لقتل العرب والمسلمين في العراق وسوريا.
وفي موضع آخر وهو يتحدّث عن تفجير السيارات المفخّخة على الشعب العراقي الذي يقوم بها الداوعش بالتعاون مع (القائد الضرورة أبو قنبورة) بقوله: «قال الناطق باسم الشهداء العراقيين أنّ سبب هذه الحصيلة المرتفعة هو وجود مناسبتين عزيزتين على العراقيين الشهر الماضي ، الأولى سبع سيارات نيسان مفخّخة في مولد الحزب القائد الصامد الهارب والثانية ثمانٍ وعشرون عبوة ناسفة في مولد القائد الضرورة أبو قنبورة»، صفحة 20.
انظر كيف سخر الحمراني المبدع من البعثيين إذ أورد مناسبتين كانتا عزيزتين جدّاً عليهم (ميلاد حزبهم في 7 نيسان) ومولد قائدهم الذي هرب ترك بغداد للأمريكان في (28 نيسان) وكيف يفخّخون السيارات لقتل الشعب في هذه المناسبتين.
الحمراني يذكّر الأجيال السابقة بجرائم العهد السابق ويعلّم النشء الجديد الذي لم يعرف تلك المناسبات التي كان الحزب والقيادة يحتفلون بها احتفالاً كبيراً جدّاً وأكثر الشعب قابع في السجون.
ومثل هذا الجناس كثير في الكتاب.
ثانياً- القناع:
هو أسلوب جديد في التعبير الشعري أو النثري يعمد فيه الشاعر أو الكاتب إلى اختيار شخصية تأريخية يتقنّع بها ويختبئ وراءها ليعبّر من خلالها عن المحنة الاجتماعية متجرّداً من ذاته.
وأسلوب القناع ليس ضرباً أو حالة يستطيع أن ينهجها من شاء بيسر وسهولة بل هي صعبة جداً لأنّها تقوم على اعتبارات هي من مكمّلات خصائص الشخصية الكاتبة الفاعلة؛ لذا كان على الشاعر أو الكاتب أنْ يمعن النظر في اختيار شخصيته وأنْ يربط ربطاً موفّقاً بينها وبين ما يريد أنْ يعبّر عنهُ الكاتب من أفكار.
والقناع أكثر استخداماً في الشعر, وهو في النثر قليل جداً.
لجأ إليه كاتبنا المبدع حامد الحمراني لأسباب عدّة منها سياسية واجتماعية, وكانت المرحلة التي كتب بها الحمراني صعبة جداً وبالغة الأهمية وخطرة ليعبّر عن آلام بلده وما يمّر به من محن على لسان هذه الشخصيات ليلفت القارئ الكريم ومن أهم هذه الشخصيات هي:
أ. أم صبحي:
وقد ذكر الكاتب الحمراني أنّها امرأة حقيقية وليست وهمية أو افتراضية (انظر الهامش من صفحة 17). إذ أفرد لها مقالة كاملة بعنوان (الاستعمار والاستحمار) عنوان فيه جناس إذ أبدل من العين حاءاً في اللفظة الأخرى, تكلّم فيه على الاستحمار «تعطيل قدرة الوعي والشعور بالمسؤولية الفردية والاجتماعية» صفحة 17. وأرى أن تعريفها يطابق ما يريده الاستعمار لذا كان جناسه موفّقاً كلّ التوفيق من حيث استعمال المصطلحين بمعنى واحد, وعلى لسان قناعه (أم صبحي) عقد مقارنة لطيفة بين الانسان والحيوان بعد أنْ ذكر أن الإنسان في نظر أفلاطون حيوان سياسي ليعّقب عليه وينكر أنّ الحيوان قد يكون سياسياً ويجعل من الحيوان كائناً لطيفاً لا يعرف المماطلة والكذب والتزوير وقلب الحقائق وإدارة حياته بدقة ونظافة. وهو بهذا الكلام يعرّي السياسيين الذين يمارسون الكذب والسرقة يومياً, ثم يرجع إلى أم صبحي ويطرح السؤال « هل وجدتم حيواناً يفخّخ نفسه ويقتل الآخرين لمجرد القتل وحب السلطة ولا يعرف الاسم الثنائي لضحيته؟» صفحة 18.
وهكذا يسرد على لسان أم صبحي في صفحة 19 نقده السياسيين وأنّ الحيوان أفضل منهم في معاملته ويختم حديثه بنقد سافر أشدّ السخرية حين يقول على لسان إحدى الدودات « بدلاً من سكب النفط علينا حاولوا أنْ تحافظوا عليه لترميم بناكم التحتية وجلب المستثمرين لبلادكم ولو بالآجل» صفحة 19.
ويعود لأم صبحي في صفحة 29 بعد أنْ ذكر كلمة (يُقال) بقوله:» يُقال والعهدة على أم صبحي إنّ اثنين من جماعة والي بغداد عندما شاهدا شيخاً كبيراً في السن وهو مصاب بالإنفلونزا (كان يعطس) فقد تألما لمنظره وما كان من أحدهما إلاّ أنْ سعى إلى قتله بمسدس كاتم الصوت وطبقاً نصيحة أميرهم وقائدهم بأنَّ الناس على نياتهم يُفخخون».
وسخر حامد من فتاوى داعش بقتل بعضهم بعضاً بحجة دخول الجنّة, سخريته هذه تكلّفه كثيراً لضعف الأمن وتكالب داعش على قتل كل من يقف بوجهها ذكر الحمراني» والراوي في لقائه مع العراقية قال إنّه مشتاق إلى رؤية والدته إلاَّ أنّ أحد المشاركين في الحوار اقترح على الراوي قتل والدته فوراً فإذا كانت مؤمنة ذهبت إلى الجنة وأمّا إذا لا , فإنّه غير نادم» صفحة 30.
وأخذت أم صبحي موقعاً كبيراً في حواراته أكثر من شخصياته الأخرى. وقد سخر على لسانها من انتحار النساء الداعشيات , بقوله» تقول أم صبحي إنّ تلك الانتحارية أكيد أخذت(الأوكي) من الأخ بترايوس وضبطت موعداً مع بعض الفضائيات وبعض المحلّلين الذين اشترطت عليهم أنْ يقولوا بعد أن تفجر نفسها النتنة وتقتل العشرات من العراقيين اشترطت عليهم أنْ يقولوا إنَّ الوضع الأمني في العراق (هشّاً) وعندما سيقولون لها كيف نثبت ذلك؟ ستقول لهم (هشه أجيكم) صفح 38.
ب- جخيور العراقي:
اسم جخيور من الأسماء الجنوبية حاول الحمراني من خلال هذه الشخصية أنْ يقدّم للقارئ نقداً وسخرية من الوضع بطريقة ذكية جداً وجعلها حكايةً متصلة ببعضها إذ بدأها بقوله:» أعلن مصدر مقرّب من عائلة المخطوف جخيور العراقي أنّه تمَّ قتله شنقاً حتى الموت بوساطة (قايش) السيارة نوع (شيري) التي تمّ اختطافه بها قبل خمس سنوات لعدم الاستجابة لمطالب الخاطفين . صفحة 57.
هو بهذا ينقد وضع الخطب والفدية وكيفية التلاعب بعواطف الناس وأعصابهم ويحاول المقارنة بين الفرد العراقي والفرد الإسرائيلي الذي نصّ على اسمه (جلعاد شاليط) وكيف أنّ فدية العراقي 1000 دولار في حين أن فدية الإسرائيلي إطلاق 1000 أسير فلسطيني.
وأكّد الحمراني أن الإنسان العراقي غير مُبالى به من حكومته في حين أنَّ الانسان الاسرائيلي له منزلة كبيرة بقوله» مصدر في تل أبيب قال إنَّ الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط الذي كان محتجزاً من حزيران 2006 وصل إلى إسرائيل وكان في استقباله قادة كبار في الجيش الإسرائيلي وفريق طبي متخصص لإجراء الفحوصات الطبية الأولية له أنّه سيتم نقله بعد ذلك بمروحية عسكرية إلى إسرائيل» صفحة 58.
في حين أكّد الحمراني أنّ نهاية جخيور كان مؤلمة جداً ولم تكرمه حكومته بل ترك ثلاثة أولاد وبنات أربعاً يبيعون علب البيبسي كولا والمناديل الورقية عند إشارات المرور ( الترفك لايت) هكذا كان الحمراني ينقد الأحوال الاجتماعية وعدم تقدير الحكومة للفرد العراقي وهو بهذا يطرح مسألة مهمة وهي (الإنسانية).



